الشوكاني
24
فتح القدير
من القرى ) الخطاب لأهل مكة ، والمراد بما حولهم من القرى قرى ثمود ، وقرى لوط ونحوهما مما كان مجاورا لبلاد الحجاز ، وكانت أخبارهم متواترة عندهم ( وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) أي بينا الحجج ونوعناها لكي يرجعوا عن كفرهم فلم يرجعوا . ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر فقال ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ) أي فهلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا - هؤلاء شفعاؤنا عند الله - ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم . قال الكسائي : القربان كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة والجمع قرابين كالرهبان والرهابين ، وأحد مفعولي اتخذوا ضمير راجع إلى الموصول ، والثاني آلهة ، وقربانا حال ، ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا ، وآلهة بدلا منه لفساد المعنى ، وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى ، ورجحه ابن عطية وأبو البقاء وأبو حيان ، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه ( بل ضلوا عنهم ) أي غابوا عن نصرهم ولم يحضروا عند الحاجة إليهم ، وقيل بل هلكوا ، وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار : أي تركوا الأصنام وتبرءوا منها ، والأول أولى ، والإشارة بقوله ( وذلك ) إلى ضلال آلهتهم . والمعنى وذلك الضلال والضياع أثر ( إفكهم ) الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وزعمهم أنها تقربهم إلى الله . قرأ الجمهور " إفكهم " بكسر الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكا : أي كذبهم . وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل : أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد . وقرأ عكرمة بفتح الهمزة وتشديد الفاء : أي صيرهم آفكين . قال أبو حاتم : يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم ، وروى عن ابن عباس أنه قرأ بالمد وكسر الفاء بمعنى صارفهم ( وما كانوا يفترون ) معطوف على إفكهم : أي وأثر افترائهم أو أثر الذي كانوا يفترونه . والمعنى : وذلك إفكهم : أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم ( وما كانوا يفترون ) أي يكذبون أنها آلهة . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأحقاف جبل بالشام . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه في قوله ( هذا عارض ممطرنا ) قال : هو السحاب . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته ، إنما كان يتبسم ، وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه ، قلت : يا رسول الله ، الناس إذا رأو الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر . وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية ، قال : " يا عائشة : وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ، قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب ، فقالوا - هذا عارض ممطرنا - " . وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عصفت الريح قال : " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ، فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سرى عنه ، فسألته فقال : لا أدري ، لعله كما قال قوم عاد - هذا عارض ممطرنا - " وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ) قالوا غيم فيه مطر ، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من رجالهم ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم ، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل ، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوما لهم أنين ، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر ، فقهو قوله ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم